سهيلة عبد الباعث الترجمان
530
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
وهكذا فإذا سلمنا جدلا مع القائلين بأن في تصوفه جانبا ميتافيزيقيا ، فحريّ بنا أن لا نهمله لأنه قائم على الكشف ، وهو ذوقي وجداني لا يدركه العقل ولا يحدّه الفهم ، وربما كان الجانب الأكثر تأثيرا وحياة في تصوفه ، ولهذا ينفي عن صاحب الفكر أن يكون صاحب حال ، لأن الحال تذوّق ووجد وفناء ، بل إن الذوق الذي ولّدته المكاشفة كان الغالب على تفكيره وآرائه ، فعبّر عنها بأنها إيحاء وإلهاما ونفثا في الروع وإلقاء في القلب أخذا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو إذ يستند في سرّيّة هذا العلم إلى حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه فيما ذكره البخاري في صحيحه أنه قال : " حملت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جرابين فأما أحدهما فبثثته فيكم ، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم « 1 » " « 2 » . والواقع أن ابن عربي صريح كل الصراحة في الكشف عن الجانب الغيبي في معرفته ، وهي المعرفة الإلهية المحضة التي لا يخالطها فكر ولا نظر ، معرفة قائمة على الإلهام والنفث في الروع ، نالها بالإرث النّبوي الخالص من شوائب العقل وآفاته ، بل هو علم وهبي لدنّي منحه اللّه إياه كسبا بالمجاهدات والرياضات وإلقاء في القلب عطاء ومنّة بتفريغه من كل خاطر وما ثمّ أعلى من العلم باللّه ولذلك يقول : " فلا تشغل نفسك بغير البحث فيه والأخذ منه وميّزه في الخلق بترك العلاقة فإنها علامة " « 3 » ومن هنا كانت علومه مبنية على الكشف والتعريف ومطهّرة من الشك والتحريف ، لذلك لم يقلد إلا الشارع صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » . وهكذا فكل علم عنده لا يحصل إلّا عن عمل وتقوى وسلوك فهو معرفة لأنه عن كشف محقق لا تدخله الشّبه بخلاف كل علم نظري فإنه لا يسلم من القدح في الأمر الموصل إليه « 5 » . وبالرغم من هذا الموقف الصريح لابن عربي فهو لم ينج من الهجوم عليه ، فقد حاول بعضهم تكذيبه وتسفيه دعوى الكشف ظنا منهم أنها زندقة وضلال وبطلان في
--> ( 1 ) ابن عربي ، كتاب الفناء ( الرسائل ) ، ص . ص 2 - 3 . ( 2 ) الحديث : سبق تخريجه . ( 3 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الرابع ، ص 401 . ( 4 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، مصدر سابق ، ص 3 . ( 5 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 298 .